حيدر حب الله
157
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
فالعرف يلغي الخصوصيّة هنا بمعنى أنّه لا يفهم من الراتبيّة إلا كونه ثقة مطّلعاً خبيراً بموقع الأذان موثوقاً به بجعله راتباً فيؤخذ بقوله ، وهذا متحقّق في مطلق الثقة المطلع على ما يخبر به العارف بأمره . وقد يريد المناقش هنا ما أفاده محقق الداماد ، من أنّ المؤذن الراتب يحصل الاطمئنان من أذانه ، فتخرج الرواية عن الاعتبار في مقامنا « 1 » . وهو وجيه ، فإنّ الأمر كذلك نوعاً . بل قد نناقش بأنّ هذه الرواية بخصوصها قد تقصد مخاطبة المؤذّن لا غيره ، بحيث تطالبه بأداء الأمانة ، ولا تريد ترتيب حكم تصديق الأمين هنا ؛ لكون المورد من غير حقوق الناس ، فينصرف عن تعبير الائتمان الوارد في قضايا المعاملات ويكون الاستخدام مجازيّاً أو بالمعنى العام ، تماماً كمفهوم الضمان الوارد في حقّ الإمام في الرواية نفسها ، حيث فهموا منه ما يُسقط فكرة الضمان في باب المعاملات والذمم والعهدة وغير ذلك على الباب ، فأفتوا بلزوم صحّة قراءة الإمام بحيث لا يجوز الائتمام بمن لا يُتقن القراءة العربيّة ؛ لأنّه لم يحقّق موجبات الضمان ، مع أنّ الرواية لا تُفهم بالضرورة في السياق القانوني المعاملي في باب الضمان ، وإنّما هو تعبير عرفي يراد منه أنّ على الإمام أن يفي بصلاة المأمومين وأن يأتي بالصلاة على أتمّها ؛ لأنّه لم يعد يتحمّل صلاته فقط بل صلاتهم أيضاً ، فلو أخلّ بها - بأن صلّى بلا وضوء عامداً مثلًا - فقد خالف ما كُلّف به من ضمان ومسؤوليّة ، والإتيان بها بأتمها يكون بحسب كلّ شخص ، فسينُ بلال شينٌ عند الله وبالعكس كما يقال . وبكلمة موجزة : الرواية بصدد توجيه سلوك المؤذّنين والأئمّة لا بصدد ترتيب الآثار في حقّ السامعين والمأمومين ، وإن كان هناك في الواقع آثار ، والائتمان والضمان فيها جعلٌ إلهي ، لا أنّه اؤتمن من قبل الناس فصار مؤتمناً ، فتأمّل جيداً ، والتفصيل في محلّه . كما أنّ هذه الرواية وأمثالها لا تصلح للتعميم لغير العبادات من سائر حقوق الناس
--> ( 1 ) انظر : محقق داماد ، كتاب الصلاة : 206 .